تعد ظاهرة البروز في الفك العلوي من الحالات الشائعة التي تثير قلق المرضى من ناحية الصورة الجمالية وأحيانًا الوظيفية، خاصةً عندما تتداخل مع مهام مثل: المضغ والكلام والتنفس، ونظرًا لتعدد الخيارات العلاجية المتاحة، يتساءل الكثيرون ما إذا كان تقويم الأسنان وحده يمكنه أن يعالج بروز الفك العلوي، أم أن الجراحة التقويمية (Orthognathic Surgery) ضرورة لا مفر منها، تابع القراءة لتعرف أكثر عن هذه الحالة، وأسبابها، وطرق علاجها، مع بيان الدور الحقيقي للتقويم مقارنة بالجراحة.
ما هو بروز الفك العلوي؟
يعرف البروز في الفك العلوي طبيًا بأنه حالة تتقدم فيها عظام الفك العلوي إلى الأمام، أمام الفك السفلي بدرجة غير طبيعية بالنسبة لتناسب الوجه الطبيعي، وفي مصطلحات الطب الحديث يمكن أن يكون هذا ضمن حالة أعم تسمى prognathism عندما يشمل الأمر الفك السفلي أو العلوي أو كليهما، لكن عندما يزاح الفك العلوي فقط إلى الأمام، فإن ذلك يُعد شكلًا من أشكال بروز الفك يُعرف أحيانًا باسم maxillary prognathism أو overjet (زيادة بروز الأسنان العلوية) عندما تتعلق المشكلة أكثر بالأسنان وليس العظام، وهذا التقدّم قد يظهر بصور مختلفة على مستوى الوجه، وقد يكون واضحًا عند النظر إلى وجه الشخص من الجانب، إذ تبدو الأسنان أو عظام الفك العلوي بارزة بصورة ملحوظة، مما يخلق ما يُعرف بالذّقْن القصير أو الوجه المستدير قليلًا.
أسباب بروز الفك العلوي عند الأطفال والبالغين
تتعدد الأسباب التي قد تؤدي إلى البروز في الفك العلوي، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1. العوامل الوراثية والتكوينية
تلعب الجينات دورًا مهمًا في شكل وتكوين عظام الوجه، وقد يولد الطفل بميل طبيعي نحو البروز في الفك العلوي بسبب تخصّص وراثي في نمط نمو عظام وجه العائلة.
2. النمو الهيكلي غير المتوازن
يحدث أحيانًا نمو غير متناسق لعظام الفك العلوي بالمقارنة مع الفك السفلي، سواء في مرحلة الطفولة أو حتى خلال مرحلة البلوغ، مما يسبب مسافة بين الفكين تعرف طبيًا بسوء الإطباق (malocclusion).
3. العادات الفموية في الطفولة
رغم أنها أكثر ارتباطًا ببروز الأسنان، يمكن لبعض العادات مثل: مص الإبهام أو دفع اللسان أن تؤثر على توجيه نمو عظام الفك والأسنان، مما يسهم في بروز في عظام الفك العلوي لدى الأطفال خاصةً إذا استمرت هذه العادات لفترة طويلة.
4. الحالات البيولوجية المرافقة
في بعض الحالات النادرة، قد يرتبط بروز الفك العلوي باضطرابات أو حالات طبية أخرى تؤثر على نمو العظام، مثل: متلازمات جينية معينة أو اضطرابات هرمونية تؤثر على نمو العظام، ومن المهم التمييز بين البروز في الفك العلوي بسبب عظم الفك نفسه وبين بروز الأسنان فقط (وهو أكثر شيوعًا وأسهل علاجًا بالتقويم وحده) وذلك لأن العلاج يختلف اختلافًا كبيرًا بين الحالتين.
هل يمكن للتقويم علاج بروز الفك العلوي؟
تتوقف الإجابة بشكل أساسي على نوع بروز الفك ومدى تورّط العظام الفكية نفسها في المشكلة، إذ إن الحالات التي يكون فيها بروز الأسنان الأمامية العلوية أكثر من كونه بروزًا في عظام الفك، قد يكون التقويم وحده كافيًا للعلاج، فعلى سبيل المثال، في حالات مثل: Bi-maxillary protrusion تكون الأسنان البارزة هي المشكلة الأساسية، ويمكن أن يساعد العلاج التقويمي السليم بإزالة بعض الأسنان وتطبيق الأجهزة المناسبة على تحقيق تراجع طفيف في بروز الأسنان وتحسين الإطباق.
ولكن عندما يكون بروز الفك العلوي ناتجًا عن نمو غير متوازن لعظام الفك نفسها (bony maxillary prognathism)، فإن التقويم وحده لا يغير موقع العظام فلا يؤدي إلى نتائج جذرية، وفي هذه الحالات يمكن للتقويم أن يحسّن فقط وضع الأسنان بالنسبة للعظام الحالية لكنه لا يعالج السبب الأساسي الكامن في العظم نفسه، ويحتاج العديد من المرضى الذين لديهم بروز عظمي في الفك العلوي إلى خطة علاجية تشمل الجراحة التقويمية (Orthognathic surgery) جنبًا إلى جنب مع التقويم قبل وبعد العملية لضمان أفضل نتيجة وظيفية وجمالية.
أنواع التقويم المناسبة لعلاج بروز الفك
في سياق علاج البروز في الفك العلوي، يمكن استخدام عدة أنواع من أجهزة التقويم في المراحل المختلفة:
1. تقويم ثابت (Braces)
هو النوع التقليدي من أجهزة التقويم المصنوعة من الأسلاك والأقواس المعدنية أو الخزفية التي تثبت على الأسنان، ويستخدم لتحريك الأسنان تدريجيًا إلى المواقع المطلوبة وتحسين الإطباق، هذا النوع مناسب بشكل خاص لمرضى بروز الأسنان المرتبط بسوء الإطباق.
2. أجهزة وظيفية (Functional Appliances)
تستخدم هذه الأجهزة غالبًا في مرحلة نمو الوجه لدى الأطفال والمراهقين، إذ يمكن توجيه النمو وتحسين وضع العظام بقدر محدود قبل اكتمال النمو العظمي الكامل، وهذه الأجهزة قد تساعد في تعديل العلاقة بين الفكين في مرحلة مبكرة إذا تم استخدامهم بالشكل الصحيح.
3. أجهزة خاصة لسحب الفك العلوي للخلف
في بعض الحالات، يمكن استخدام أجهزة خارجية أو داخلية لتحفيز سحب الفك العلوي بشكل طفيف إلى الخلف، ولكنه ليس علاجًا لعظم الفك نفسه، وإنما لتحسين الإطباق في إطار نمو العظام القابل للتعديل فقط.
الخلاصة أن التقويم مفيد جدًا في علاج سوء الإطباق وبروز الأسنان، ويمكن أن يستخدم مع الأجهزة الوظيفية في مرحلة النمو لتحسين الأوضاع العظمية الطفيفة، لكنه ليس علاجًا مستقلًا لبروز الفك العلوي العظمي الشديد.
الفرق بين التقويم العادي وتقويم الشفاف في علاج بروز الفك
عندما نتحدث عن تقويم الأسنان الشفاف (Clear Aligners) مقابل التقويم التقليدي (Metal Braces)، يكون الفرق في الأساس في طريقة الإحكام والمواد، وليس في النتائج الطبية الأساسية عندما يتعلق الأمر بالعلاج المتخصص.
التقويم التقليدي
- مناسب لمعظم الحالات، وخاصةً الحالات المعقدة من بروز الأسنان.
- يتيح للطبيب تحكمًا أكثر دقة في تحريك كل سن على حدة.
- يمكن استخدامه في المرحلة التحضيرية قبل الجراحة أو بعد الجراحة لتحقيق إطباق مثالي.
التقويم الشفاف
- أكثر جمالًا وراحة للمريض.
- مناسب للحالات الأقل تعقيدًا، وخاصةً إعادة ترتيب الأسنان البسيطة والمتوسطة.
- قد يكون محدودًا في بعض الحالات المعقدة التي تتطلب تحريكًا كبيرًا للأسنان.
في حالات البروز في الفك العلوي العظمي، سواء استخدمت تقويمًا شفافًا أو تقويمًا ثابتًا، فإن الهدف الأساسي في المرحلة قبل الجراحة وبعدها هو تهيئة الأسنان لتحقيق أفضل إطباق ممكن عند إعادة وضع الفك بواسطة الجراحة.
الخاتمة
يمكن القول أن التقويم يسهم بشكل كبير في علاج بعض حالات البروز في الفك العلوي، خاصةً عندما يكون السبب سنيًا أو متعلقًا بسوء الإطباق، وفي هذه الحالات يمكن للتقويم تحقيق تحركات محسوسة للأسنان، وتحسين الشكل الوظيفي والجمالي لابتسامة المريض دون الحاجة للجراحة، ولكن عندما يكون البروز في الفك العلوي ناتجًا عن نمو غير متوازن في عظام الفك نفسه، فإن التقويم وحده لن يكون كافيًا، وسيحتاج المريض إلى جراحة تقويمية متخصصة (Orthognathic Surgery) في كثير من الأحيان، مع دعم تقويمي قبل وبعد الجراحة للحصول على النتائج المثلى، والخطة العلاجية المثلى دائمًا ما تكون مخصصة حسب حالة كل مريض، وتُحدَّد بواسطة تقييم شامل من قبل أخصائي تقويم الأسنان وجراح الوجه والفكين.
